أخرجوني من عنق الزجاجة
تحديثات سنة خامسة طب
أشعر أن كل ما أقوله غير مهم، أي مما أكتبه غير حقيق بالنشر. وأنا منشغلة والناس منشغلون جدًا فلمَ هذا اللغط حول إزعاج الناس. ازدادت حساسيتي تجاه الإشعارات، أعني إشعار التطبيق للمشتركين بما نشرت، إزعاج إزعاج! هذا الطرق على أبواب الناس يخالف طبيعتي الجانحة إلى التخفي والتماهي مع الخلفية وقتما لزم. تحوم الأفكار الممتعة - أوحتى غير الممتعة- في رأسي طوال الوقت، وفي الوقت ذاته الذي أزمع فيه الكتابة، تختفي، تحتبس، تعترض طريقها أصوات من قبيل “لم الكتابة عن أمور اعتيادية وبديهية مثل هذه؟” طبعًا هذا باعتبار أن الأفكار التي ترد لذهني تزور جميع الأذهنة، أو “يا إلهي، من المستفيد من قراءة شيء يشبه اليوميات؟ الناس ليست متفرغة” إذا عزمت الكتابة عن تحديثات لشيء في حياتي. أفهم، أفهم تمامًا. لا يتوجب دومًا للكتابة أن تكون مسلية لكافة القراء أو على الكاتب أن يكتب ويحرر لاحقًا و”يمكنك تحرير صفحة سيئة لكن لا يمكنك تحرير صفحة فارغة” أو أن يكتب فلا تثقل يده عن الكتابة، لكن الأصوات في ذهني جادة، وصارمة، وحقيرة إن صح الوصف. فور أن تلقي كلمتها تتساقط الكلمات عن مستوى بصري، وتفقد الجمل تماسكها، تنتشر، تضيع، تختفي. كما أني لا أستسهل الحديث عن المشاعر، وتبدو لي كتابات الشكاوي مملة، آه آه الكتاب البكاؤون، لم يهبط سوقهم بعد؟ التذمر عندي في الكتابة يقابل ذاك في الحياة الواقعية، فللقارئ أن يحاول تخيل المشاعر المتناقضة التي أواجهها عند كتابة هذه المقدمة. لكن أتصور أن القارئ الكريم يعرف أن كل شيء من عندي غير أليس كذلك؟ أو أود أن أتصور. عاد رضيتم أم لم ترضوا براحتكم.
لندخل في صميم الموضوع، أنا في سنتي الأخيرة في الكلية! الناس التي تتابعني على منصات التواصل تعرف، بلا شك، لأن كل نبذات حساباتي ترد فيها عبارة
“Senior medical student”، كم لبثنا؟
أنا مسرورة للغاية، أولًا لأن قول “أنا في سنتي الأخيرة” يغني عن الدخول في إشكالات “أنتِ في سنة خامسة مع التحضيري أم بدون؟” هذا لأن بعض الجامعات
يبدأ عد السنين الست عندها منذ السنة التحضيرية، بينما تبدأ كليتي عدّ السنين من السنة التي تلي التحضيري، أي أن سنوات الطب خمس سنوات (بدون التحضيري)، متاهة صحيح؟ لهذا كلمة “الأخيرة” جذابة في غناها عن الشرح. وثانيًا لأني سأتخرج بحول الله.
نأتي للشق الآخر من الجملة، أنا متوترة للغاية، في هذين الأسبوعين على الأقل. علي أن أقابل عددًا معينًا من المرضى - عافى الله الجميع - وأسجل التاريخ المرضي. حتى هنا المسألة سهلة. نأتي للشروط، على المرضى، والذين يجب أن يكونوا من رواد قسم الطوارئ، أن يكونوا من فئتي الفرز إما واحد أم اثنين،
الفرز 1: حالة تستدعي الإنعاش، ينبغي مباشرة حالة المريض فورًا.
الفرز 2: حالة عاجلة، تستدعي التوصل لتشخيص وبدء خطة علاجية في غضون 10-15 دقيقة.
لا ينبغي أن تكون شكوى المريض الرئيسة ضيق في النفس أو ألم في الصدر، باختصار لا يُحبَّذ أخذ حالة ذبحة صدرية، لأنها سهلة التنبؤ لكم. يفضل ألا يكون المريض مصابًا بفقر الدم المنجلي - ينتشر هذا المرض في مدينتي- وزار الطوارئ بسبب إحدى نوبات الانسداد الوعائي
Cleveland Clinichttps://my.clevelandclinic.orgSickle Cell Crisis: Symptoms, Types & Treatment
كما لا ينبغي لطالبتين أن تأخذا نفس الحالة؛ ولذا هناك رسالة طويلة في مجموعتنا على الواتساب عن الحالات التي أخذتها كل واحدة.
في كلا المرتين اللتين ذهبنا فيها للمستشفى مع الطبيب، لم أجد حالات مميزة، عافى الله الجميع، يا رب سترك. سبب لهذا أن وقت الراوند كان في الصباح الباكر، المرض لا يعرف وقتًا، لكن المصابين بحالاتٍ حرجة لم يصدف أن يزوروا قسم الطوارئ في ذينك اليومين. اثنتان وعشرون طالبة ينتشرن في قسم الطوارئ الذي عادةً ما يكون هادئًا في الوقت الذي يبدأ الناس الطبيعيون فيه تناول إفطارهم مثلًا في الساعة السابعة والنصف، بينما يتزاحم الطلاب في أروقة قسم الطوارئ. بالكاد تكون هناك حالة أو حالتين أو ثلاث من فئة الفرز التي ذكرتها، وعندما أكون قد أتيت تكون الحالات قد أُخذت، أحيانًا بدون أن يكتب اسم أي منها في رسالتنا الطويلة في المجموعة، لا للاستفزاز بل لأن الإشارة كانت ضعيفة أثناء وجودنا، فيتصادف أن تأخذ طالبتان نفس الحالة ثم تلتقيان فتقول إحداهما “أخذتِ حالة”، نعم بدون السلام، لأن السلام قد يتم عن طريق رفع الحواجب. من الجملة الأولى التي تبدأ إحداهما بها وصف الحالة سيكتشفن أنهن وقفن عند نفس المريضة في أوقات مختلفة. وهنا على التي أخذت الحالة متأخرة أن تضحي بها للأخرى، المهم لن تكون من تقدمها للدكتور.
كثيرًا ما أشعرني دوام الصباح في الطوارئ بانعدام الكفاءة. بدا وكأن كل طالبة قد اقتنصت صيدها بينما بقيت أنا، الفتاة الشاطرة، بلا غنيمة - حالة - أقدمها بين يدي الدكتور.
“آسف ما عندنا حالات إنترستنق اليوم” يقول لي الطبيب المناوب في الصباح. أحاول التهوين على نفسي أن المشكلة ليست في انخفاض قدرتي البحثية أو انعدامها بل في التوقيت. علي المجيء في وقت تكتظ فيه الحالات، لذا أسأل الممرضات عن أوقات الذروة. تقول إحداهن أن الحالات تكثر في عطل نهايات الأسبوع، وتقول أخرى أنه لا يمكنك حقًا التنبؤ بوقت تزايد الحالات.
في الأسبوعين اللذين سبقا جمعي للحالات، كنت قد حطمت سلفًا رقمي القياسي لنوبات القلق. أحيانًا قلقت للحد الذي أنهكت معه قلبي، وبعد أن تنتهي نوبة مريرة من القلق أشعر بأعصابي وقد سحقت تحت وطأة هذا التوتر، أقول لا يمكن لنوبة أخرى أن تحل. لكن ما يفتأ ويأتي حدث آخر يحفز نوبة أخرى بدرجة متفاوتة ربما.
الطوارئ:
في التاسعة من مساء السبت في عالمٍ موازٍ وظروف أخرى سيتنقل إصبعي بين بوسترات الأفلام التي حفظتها سلفًا لأختار واحدًا منها في الويكند، لكن هأنذي مرتديةً المعطف الطبي ومتأبطةً آيبادي أمام قسم الطوارئ.
يلتمع ضوء لوحة الطوارئ باللون الأحمر، أبتلع ريقي، يكاد قلبي يبلغ حلقي، النزول إلى قسم الطوارئ في الليل لا يشبه مجيئه في النهار. الموظفون غارقون في شغل محموم كلٌّ بمريضه وحالته، الأطباء المناوبون يتناقشون، شعرت أني دخيلة في حلية نحل.
صادفت عند دخولي زميلة، لسبب ما تعرف زميلتي كيف تتماهى مع الأطباء ولا تبدو كدخيلة. كيف أتصرف؟ الناس في حالة حرجة هل أفتح الستائر على الناس المساكين لأن استشاري الطوارئ الذي لا شغل له بهم طلب مني أخذ حالة؟ تقول زميلتي أن علي أن أكون “بجيحة قليلًا” وتقصد أن لا أخجل وأنا ألاحق الأطباء وأجعل نفسي معنية بالحالة. أفهم الآن، لا يتطلب الأمر فتح الستائر واختراق خصوصية الناس، الأمر بسيط أحتاج هدفًا أو طبيبًا ألازمه أينما ذهب، أسأله عن الحالة، أعاين المريض برفقته، أصور بعض التحاليل أو تخطيطات القلب وينتهي الموضوع.
كان ينبغي أن يجري الموضوع على هذا النحو، لكن ما حصل أن رأسي كان يدور ونبضاتي تتسارع بفعل القهوة التي بالغت في كميتها عصر ذلك اليوم، خرجت مباشرةً من خلية النحل المربكة تلك ودلفت إلى غرفة أخرى من قسم الطوارئ. رأيت المرضى هناك في حالة أكثر استقرارًا. بحثت وتحدثت مع بعض المرضى وعائلاتهم دونت بعض المعلومات وناقشت بعض الأطباء الذين أبدوا ترحيبهم بمساعدتي.
لم يكن هناك مرضى من فئتي الفرز التي أحتاجها، ربما واحدة فقط. وهكذا قضيت ويكندًا آخر في الطوارئ بعدما شرح لنا أحد الأطباء تصنيف الحالات والغرف في قسم الطوارئ.
قدمت حالة، وأُعفيت من روتيشن ودوام في العيادة.







للتو أنهيت القراءة💘💘
مبدعة كعادتك ماشاء الله تبارك الرحمن ودايمًا تبهرني اختياراتك للكلمات، بخصوص محتوى الموضوع كله حسيته لامس شعوري لما كنت اشتغل في بحث التخرج آخر سنة واحاول ابحث عن دور واضح اسويه بحيث اقدر اتكلم عنه انا كفرد لما يصير وقت عرض البوسترات ف حاسة بشعورك جدًا الله يوفقك ويسهل لك ويبارك لك ثمار جهودك، لا تختفين عنّا بمقالاتك وسردك المميز 3<
موفقة! 😋💞💞
شوشو بالاخير قلتِ انج دختِ ورحتِ لمرضى شبه مستقرين فالحالة الي قدمتيها كانت ريسس/امرجنسي والا غير؟؟