أنا وأمير والكرة التي بيننا
ما الذي كان ليقوله أمير؟ لو علم أني كنت نائمة في الوقت الذي لعب فيه المنتخب الوطني أمام الأرجنتين وفاز في 2022؟ لحسن الحظ أو لسوئه - من الصعب التحديد - كان أمير في الخامسة أنذاك، بدأ توًا في محاولة الانسجام مع المجتمع والتعرف على الأطفال خارج دائرته العائلية، لم تبدر عليه أية ميول كروية، لم يكن وعيه الكروي قد تبلور ليقف على رأسي ويقنعني بالتصلب أمام شاشة ومتابعة أناس يركضون خلف كرة. ما لا يعرفه أمير أن أكثر ما عُنيت به في تلك السنة هو التنبه أنه إذا كنا في 2022 وكان كأس العالم يأتي كل أربع سنوات إذًا فكأس العالم القادم سيكون في 2026، أي السنة التي سأتخرج فيها من الجامعة إذا أصلح الله ذات بيننا أنا وتخصصي. وها نحن مقبلون على كأس العالم.
اختلف الوضع الآن، إذا كانت هناك مباريات هامة (بمعايير أمير)، فسأعلم عنها قبل حلولها بأسبوع، وسيذكرني أمير بموعد المباراة في كل يوم من ذلك الأسبوع، ربما يكون ذلك عدة مرات خلال اليوم، سيطلب مني أحيانًا أن أتأكد من تاريخ المباراة على جوجل، وفي الوقت الذي نقضيه بين علمه بتاريخ المباراة وبين وقت حلولها الأصلي سيمتلأ تاريخ بحثي بأشياء من قبيل ترتيب الدوري السعودي أو ترتيب الدوري الأسباني أو تشكيلة نادي معين. إذا حل وقت المباراة سيكون والدي قد اشتري لنا مسبقًا الفشار والسلاش من الكشك الذي يبيع المسليات في حينا. وعندما تمتد أصابعي لتناول بضعة حبات من الفشار الخاص بي لأسباب منطقية مثل أني جائعة وأن المباراة لن تبدأ إلا بعد ساعة ونصف، سيقول أمير مستعطفًا "شريفة لا تاكلينه، ناكل كلنا بعدين وقت المباراة!".
سينتظر فشار أمير وحسين (أخي الأصغر) في زاوية ما من طاولة الطعام قبل حلول المباراة، سيحتفظان بالسلاش في الفريزر، سيقفزان ويركضان في الصالة، وينظران للساعة بعد كل سباق ليروا كم تبقى على إطلاق صافرة البداية.
لا يتوقف الأمر عند كبح شهيتي لساعة ونصف لأني أود مشاركتهم الأكل والمتابعة في نفس وقت المباراة، أعرف أيضًا معلومات مثيرة ولا طائل منها لشخص غير كروي، مثل أن رونالدو أحرز أكبر عدد تسديدات مسجلة في التاريخ، أعرف أن عدد حكام المباراة يكون أربعة فأكثر، متى يعتبر اللاعب متسللًا، اسم اللاعب النرويجي الطويل الذي يلعب مع مان سيتي، اللاعب السوري الذي لعب في نادي الأهلي، ومعنى مصطلحات مثل هاتريك. تختبئ تحت طيات دماغي تواريخ عشوائية مثل؛ 1902, 1930, 2014, 2018، الأول تاريخ تأسيس نادي ريال مدريد، الثاني تاريخ أول كأس عالم وفازت به الأوروغواي، الثالث هو العام الذي فازت فيه ألمانيا بكأس العالم، وفي الأخير استضافت روسيا كأس العالم. كما أحتفظ بألقاب غريبة للاعبين مثل البرغوث والنينو، كلها لأن أمير طلب مني أسئلة عن كرة القدم ليستمتع وندخل في نقاشات كروية.
تقول أمي أن أمير أثار قلقها مرةً، ففي أحد النهارات التي اعتاد أن يزجيها بالركض واللعب وكلمة Siuuuu، قطع نشاطاته الرياضية فجأة ودلف الغرفة ليلقي بجسده على السرير:
⁃ أموري تعبان؟، سألته والدتي
⁃ لا بس رونالدو ياخذ قيلولة خلال اليوم
طلبت من أخوَي أمير وحسين أن يناما، فالليل أوشك على الانتصاف ويجدر بالأطفال أن يناموا حتى لو كان الهلال يلعب أمام ريال مدريد. يبلغ هرمون النمو ذروته في الليل "لا تجون تقولون لي ليه ما طولنا!" هددتهما بمزاح.
تتولد مع الحب مصادر قلق غريبة، فعندما خلدا للنوم - دون حكاية لأنهما استنفدا وقت القصة في متابعة المباراة- خفت أن يكون الهلال قد سدد هدف الفوز أمام ريال مدريد وأكون قد حرمت أمير مشاهدة هدف جميل مثل ذاك. فجر اليوم التالي، أول ما فعلته عند استيقاظي هو البحث عن نتيجة المباراة. زفرت براحة عندما وجدت النتيجة هي ذاتها منذ الشوط الأول وانتهت المباراة بالتعادل.
توصل أمير إلى لعبة يسميها لعبة تخمين اللاعبين، قواعدها كالآتي يفكر الأول في في لاعب ويحدده في ذهنه بينما يحاول الآخر طرح الأسئلة التي توصله إلى هذا اللاعب، وتكون هناك محاولات محدودة لتخمين اسم اللاعب في النهاية، وتُتبادل الأدوار بالتوالي.
كان دور أمير بتحديد لاعبه فكان دوري بطرح الأسئلة:
"هل لاعبك سعودي؟"
"اي"، بينما يثب إلى مرتبة الكنب المجاور
"هل لاعبك في العشرينات؟"
"لا"
"هل لاعبك متزوج؟"
توقف عن القفز وفكر لحظة "اي"
"هل لاعبك يلعب في الهلال؟"
"اي"
"مهاجم؟"
"صح"
"هل لاعبك هو سالم الدوسري؟"
"لا"
تفتق ذهني عن الإتيان بأحد أقدم الأسماء السعودية التي أحفظها في كرة القدم، لكن شككت في أن يعينه أمير لذا سألت "هل لاعبك معتزل؟"
"اي"
"هل هووو سعود القحطاني؟"
انفجر بالضحك "اسمه يااسر القحطاني"
"والله أعرف بس نسييت"، حاولت ترقيع الوضع "طيب تدري أنه صار مذيع بعدين؟"
"صج؟"
في بداية اللعبة توجست من أن يعيّن أمير لاعبين لا يعرفهم إلا الكرويين المحترفين، لكن بعد الجولة الأولى انتفخ صدري بالفخر لأني حزرت اللاعب، لم تطل فرحتي بنفسي كثيرًا، أخذ أمير يعين لاعبين يصعب التوصل لهم. الأمر كالتالي: إذا لم يكن اللاعب مهاجمًا أو حارس مرمى فلن أخمنه، اللهم إلا إن كان مدافعًا فتخميني الوحيد سيكون "البليهي". في الجولة التالية قررت الاستسلام بعد أن نفد رصيدي من الأسئلة
" خلاص مين لاعبك"
"تستسلمين؟"
"اي"
"كنوو"
"كيف تختار واحد ما أعرفه!"
__"بس أنتِ قرأتِ اسمه"،
"مرة وحدة بس!"
في الجولة التالية اختار أمير مدافعًا، وياللحسرة لم يكن "البليهي"، وعندما جادلته في أحقية اختيار "حسان تمبكتي" احتج أني أعرفه لأني قرأت اسمه قبل شهر في التشكيلة.
بعد صولات وجولات حصد فيها أمير النقاط لتخمينه لاعبيّ، وددت أن أرتاح وأتصفح هاتفي، استلقيت على الكنبة وتناولت هاتفي دون أن أفتحه، كان دوري في تعيين اللاعب:
"يلا دورك"
أرحت رأسي على طرف الكنبة، وبينما أنظر لنقطة محددة من الصالة عصرت دماغي وأرحته ثم عصرته وأرحته ثم عصرته واستخرجت في لحظة واحدة اسمًا لم نذكره، "اخترت"
فتحت هاتفي بالبصمة، وفي خلدي أن اللاعب الذي اخترته سيعطيني وقتًا لأتصفح، ليس علي الآن إلا أن أجيب بنعم أو لا عن الأسئلة المكررة. على الكنبة المجاورة، جلس أمير بهدوء ورأسه متكئ على يده، نظر في عيني أو إلى شيءٍ خلفهما وبابتسامة وديعة وذكية:
"هل لاعبك هو عمر السومة؟"
شُدهت وضحكت. يعرف أمير كيف أفكر كرويًا، ربما تنبأ أني سأختار اللاعب الذي تكرر اسمه في الأسئلة التي نطرحها عن اللاعبين من حيث كونه اللاعب السوري الذي لعب في القادسية.
~~
كانت علاقتي بكرة القدم أشبه بعلاقة المعارف ببعضهم. شخص غريب ليس له علاقة بهذا العالم ولا تعنيه كثيرًا أخبار الكرة التي تصله ولا تمسه شخصيًا. أجل هناك فرحة فوز المنتخب الوطني أمام الأرجنتين، أجل هناك المقالات التي كتبت عن هذا الفوز. لكن أخي لم يكن حاضرًا (كرويًا) في تلك اللحظة، لم يلبس زيه الرياضي ويجلس بترقب أمام الشاشة، لم يصِح بـ"جووول" عند الهدفين الذين سددهما المنتخب أمام الخصم، ولم نقفز بمرح كما نفعل عندما يفوز النادي الذي يشجعه؛ لذا بدت لي تلك الفرحة قبل أعوام خجولة ومتطفلة على ذلك العالم.
في الحاضر، أشعر بوشائج قرابة تتكون بيني وبين كرة القدم، وبما أننا - تخصصي وأنا - دخلنا في علاقة جادة بعد أن أولع كلانا بالآخر، أظن أن سنة التخرج ستكون حافلة. لدي بدل السبب الواحد اثنان، هناك سنة الامتياز التي أتشوق لها ومباريات كأس العالم.




مباراة فوزنا على الارجنتين اخخ لو لاحقين عليها انتِ وأمور
بحياتي ما ربطني بإخواني الصغار لحظة "كروية" حميمية مثل ذيك الظهرية يوم الحكم صفّر لو تشوفيننا شلون قمنا نناقز بس😭😭
كان وراي اوسكي وسحبت عليه هههههههه
حبيت الشاعرية الي ربطتيها لو -الله أحيانا وشاء- جات اللحظات الحارة الي تعيشينها بسنة تخرجچ ومونديال٢٦ مع أمير وحسين جعل ربي يبلغكم هاللحظات الدافية من غير شر يا رب
PS:
يوم أمير درى انج بتخمنين السومة ضحكتت
استمتعت جدًا بالقراءة
شعرت وكأنني معكم في لحظات وصفك عن تجمعاتكم العائلية، أسلوب رائع وممتع كالعادة نجحتِ في إدخالي داخل المقالة لأعيش تجربتكِ فيها🫶🏻🌟🌟🌟
على ظلِّ انتظار مقالاتكِ القادمة، أشعر بالحماسة لانتظار مقالة كأس السنة كذلك ان شاء الله🫶🏻